الشوكاني

159

نيل الأوطار

يثنون عليه ، وجاء رجل شاب فقال : أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقدم في الاسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت ثم شهادة ، فقال : وددت ذلك كفافا لا علي ولا لي ، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض فقال : ردوا علي الغلام ، قال يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك ، يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين ، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا ونحوه ، قال : إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم ، وإلا فسل في بني عدي بن كعب ، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم فأد عني هذا المال ، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل : يقرأ عليكم عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه ، فسلم واستأذن ، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي ، فقال يقرأ عمر بن الخطاب عليكم السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت ، كنت أريده لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي ، فلما أقبل قيل : هذا عبد الله بن عمر قد جاء ، قال : ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال : ما لديك ؟ قال : الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت ، قال : الحمد لله ما كان شئ أهم إلي من ذلك ، فإذا قبضت فاحملوني ثم سلم فقل : يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين ، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير تتبعها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ساعة ، واستأذن الرجال فولجت داخلا ، لهم فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا : أوص يا أمير المؤمنين استخلف ، فقال : ما أجد أحق بهذا الامر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهم وهو عنهم راض ، فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال : يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الامر شئ كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذلك ، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر ، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة ، وقال : أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم ، وأوصيه بالأنصار خيرا ، الذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم ، أن يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم ، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا ، فهم ردء الاسلام وجباة المال وغيظ العدو ، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم ، وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الاسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم ويرد في فقرائهم ،